الرؤيا وأثرها في حركة التاريخ الإسلامي حتى قيام الدولة البويهية
الكلمات المفتاحية:
الرؤيا وأثرها في حركة التاريخ الإسلامي حتى قيام الدولة البويهيةالملخص
ان العوامل التي لعبت دورها في الاحداث التاريخية كثيرة منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي أو روحي فكانت الرؤيا ابرز تلك العوامل منذ ان وجد الإنسان على وجه البسيطة، واخذت تلك الرؤى تطرق مناماته لتريه عزيزا قد فقده، أو تنذره بما سيحل به من كوارث وما ينزل به من مصاعب، فوقف ذلك البدائي حيرانا امام الرؤى وهو لا يعرف مصدرها فأخذ يضع التفسيرات لتلك الرؤى والصور بحسب معتقداته البدائية القديمة. الا ان الحال تغيير بعد ان نشأت الحضارات القديمة وظهرت الدول وظهر معها حب السيطرة والتوسع على حساب الغير فسخرت الرؤى في كثير من تلك المجالات واخذ القادة والملوك يفعلون ما تشير به رؤاهم ومن حولهم الكهنة الذين يفسرون ما يعسر عليهم وما تشتهي انفسهم ويتوافق مع رغباتهم لكون الرؤى في نظرهم نوع من انواع الاتصال بين الالهة والبشر لترشدهم احسن السبل أو تحذرهم من شيء ما فكان ذلك سببا مباشرا جعل الكهنة ورجال الدين يتدخلون بصوره مباشرة أو غير مباشرة لتوجيه سياسة الدولة وظلت الحال على ذلك حتى بعث الرسول i فحدث الناس عن الرؤيا، الرؤيا بل ان القران نفسه سرد عددا من تلك الرؤى الا انه وضع ضوابط لها ولتفسيرها، فبرز بعد ذلك جمهرة من الصحابة في امر تأويل الرؤيا ثم اتبعهم التابعون ثم استمر الحال على ذلك حتى غدت الرؤيا علما من العلوم الشريفة التي تعتمد بالدرجة الاساس على مصدرين مهمين هما القران الكريم والسنة النبوية على ان ذلك لم يمنع بعض المعبرين من ادخال بعض الآراء القديمة لشعوب شتى والافادة منها في التعبير لسد النقص الحاصل بسبب تطور الحياة الاجتماعية.ولعل من بين اهم ما توصلت إليه هذه الدراسة: 1- ان الرؤى قديمة قدم الإنسان على الارض، وهي لم تكن نتاج دين أو مذهب أو نظام سياسي، وانما وجدت مع الإنسان الذي تعجب من أمرها - أي الرؤيا - أول أمره فعدها في البداية من الخوارق، واجتهد لإيجاد التبريرات لها، فكان تعبير الإنسان البدائي لتلك الرؤى مشابهاً لحد ما لتفسيراته للظواهر التي عجز عن معرفتها.2- ان الرؤيا تختص بالمؤمن بالله وبغيره، ومثال ذلك رؤيا الفرعون في زمن يوسفa والتي تحققت بعد اربعة عشر عام.3- ان اغلب الشعوب القديمة لم تميز بين الرؤى والاحلام بل عموميات تنبؤية، وعدتها باباً من أبواب الكهانة والتنبؤ بالغيب، بل عدتها نوعا من أنواع الاتصال بين الالهة وبين البشر فكان ان وضعت لذلك الاتصال الشروط مع ما يتناسب وتطور الإنسان بتطور حضارته وبيئته الثقافية والاجتماعية، واجتهدت تلك الشعوب بإيجاد تفسير لكل رؤيا فكان ان وضعت التعبيرات لكل ما يره الإنسان في منامه أكان ذلك الشيء إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً من الصور التي يراها في منامه.4- نشأ علم تعبير الرؤى منذ أقدم الازمنة، كون الرؤيا لنبوة صادقة، أو لنبأ صادق وقع أو سيقع مستقبلا وفيه خير أو شؤم، قريب أو بعيد. فكان الكاهن ورجل الدين في تلك الحضارات هو من يقوم بتعبير تلك الرؤى، وكان يستغل هذا الجانب في تدخله بالسياسة وأمور الملك. 5- عدت الرؤى من الامور المبشرة بكل النبوات، فكان لها اثر كبير في التبشير بمبعث الرسول i وتهيئة الاذهان لتقبل الدعوة الإسلامية، فما ان اقترب المبعث حتى نرى بوضوح كتب السير والاخبار وهي تنقل الكثير من الرؤى المبشرة بحدث عظيم عند العرب وبالأخص في مكة، وعلى الرغم من البعض منها قد يكون من وضع الرواة الا أن تلك الرؤى تبين وبوضوح كيف كان الاعتقاد سائدا بالرؤى وبما تعنيه وبما تبشر به.6- أقر الإسلام الرؤيا وتعبيرها، بل ان الله تعالى أكرم يوسف a كونه من معبري الرؤى ومن العارفين بأسرارها، وقد وضع الإسلام الحدود والضوابط للرؤى بما يتناسب مع ما جاء في القران الكريم، الا ان الكثير من المعتقدات القديمة تسللت إلى علم تعبير الرؤى سواء بقصد أم عن غير قصد أو أن المسلمين لم يجدوا ضيرا من الأخذ بها أو أن الرسول i اقرها، فبقت على حالها فكانت للرؤيا خصوصية في التعبير من حيث معبريها والأوقات التي تحصل فيها.7- لعبت الرؤيا دوراً كبيراً في انتصارات المسلمين في أول أمر الدعوة الإسلامية، حيث كانت تلك الرؤى تحقق نوعا من الموازنة المعنوية أو النفسية بين المشركين الذين كانوا بكثرتهم العددية وعدتهم، مع المسلمين الذين كانوا قلة في العدد والعدة، فكانت الرؤيا تبث بين المسلمين روح التفاؤل بالنصر والبشرى به، وكانت رؤى المشركين تفت في عضدهم وتخذلهم وترسم لهم سلفاً صور مما سيكون عليه حالهم في المعركة فأخذت تلك الرؤى جانباً سياسياً وعسكرياً في الكثير من الأحيان، كان القصد منه النصر المعنوي وتحطيم معنويات المقابل قبل المعركة، هذا إذا علمنا أن بعض تلك الرؤى - أي التي تثبط معنويات المشركين - من أناس لهم تعاطف مع المسلمين مثال على ذلك رؤيا عاتكة وجهيم في معركة بدر.8- نقلت بعض الرؤى صوراً للحال الذي كان عليه المسلمين سواء الحال الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، حيث كان الرواة ينقلون مع تلك الرؤى بعض الأمور التي كانت توضح صور معينة من حياة المسلمين، وكان بعض تلك الرؤى بمثل موقف غير المعلن حيث أهمية الرؤيا ومكانتها ويذكر بالمكانة المهمة والقديمة الممتدة بجذورها إلى الأمم السابقة.9- أوضحت الكثير من الرؤى حلولاً مهمة، كان البعض منها حلاً لأمور فقهية أو أمور مختلف عليها من قبل المسلمين، فجاءت الرؤيا الهاماً وموضحاً لتلك الحلول واكتسبت تلك الحلول شرعيتها عن طريق موافقة الرسول i عليها وحسمها، بمعنى ان الرؤيا تنقل نبأ صادق عن المستقبل لنبي أو رسول بوحي سماوي أو الهام.10- ان الرسول i أولى الرؤيا اهتماماً كبيراً، مما أعطى الدلالات التاريخية والفكرية لموضوع الرؤيا وتعبيرها، وبينت أن الرؤيا في الإسلام، نحت منحى جديد غير الذي كانت عليه من قبل، فبعد أن كانت حكراً على الكاهن - إلى حد ما - تشرط فيمن يعبر الرؤى في الإسلام شروطاً جديدة منها إلمام المعبر بالقران والسنة وأمور أخرى سمحت للكثيرين الدخول في علم الرؤيا وتعبيرها.11- ما أن توفي الرسول i حتى أخذت الرؤى منحى اخر عند المسلمين، فهي النافذة التي بقت مفتوحة عندهم - أي نافة النبوة والتي اقرها الرسول i - فكانت باباً للوحي بعد انقطاعه بوفاة الرسول i، فكان المسلمون يتباشرون برؤاهم التي كانوا يرون فيها الرسول i أو احد المقربين منه، وما ان جاء عصر الفتوحات الكبيرة والتي أطاحوا بها بالدولتين الساسانية والبيزنطية حتى بداً واضحا ً اثر الرؤى في تلك الفتوحات، حيث كانت توفر التوزان المعنوي بين الطرفين أي أنها كانت تعمل فيهم ما عملته أيام الرسول i وحروبه مع المشركين، فكانت رؤى المسلمين في العهد الراشدي وعصر الفتوحات تبث روح الأمل والتفاؤل بالنصر وانجاز الوعد الالهي الذي تمثل بأحاديث الرسول i ورؤاه التي بينت حال المسلمين وما سيصلون إليه من فتوحات وانتصارات، وكانت كتب المغازي والفتوحات خير دليل على اهتمام العرب بالرؤى واخبارها، حيث نقلت تلك الكتب تلك الرؤى بكل تفاصيلها. 12- تباين أهمية الرؤيا عند الصوفية، حيث لعبت عندهم دوراً كبيراً في التخاطب والتحاور مع الرسول i وفيما بينهم، فكان اعتمادهم على الرؤيا فاق بعض الاحيان حتى العقل في التوصل إلى بعض الأمور التي تخص الشرع أو التوصل إلى الحقائق، وهذا يتأتى من اعتمادهم على الأحاديث التي تخص الرؤيا، وربما يكون لدخول بعض المعتقدات القديمة اثره التأثير في الكثير من الطوائف المسلمين لا توجد مساحة لذكرها في هذه الدراسة. 13- وما سبق من كلام يمكن رده على ما جرى من احداث كان للرؤيا فيها النصيب الاوفر في عهد الدولة الاموية والدولة العباسية فلقد كانت الرؤيا محركة لبعض الاحداث المهمة التي جرت خلال فترة حكم هاتين الدولتين الا انني لم اعثر الا على النزر اليسير من تلك الرؤى في تلك الفترات.14- يعتبر القران الكريم اصدق مصدر للرؤيا مقارنة التوراة والانجيل، حيث جاء ذكر الرؤيا في مواضع كثيرة منه. 15- واخيرا فان اهم ما في الرؤيا الإسلامية انها قابلة التصديق ومصدقة كونها ارتبطت باهل بيت النبوة من عصر ابراهيم الخليل إلى محمد i مصداقا لقوله تعالى: "وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا"، وقوله تعالى: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا لتدخلن المسجد الحرام".