وحدة المجتمع العراقي في فكر الإمام كاشف الغطاء

المؤلفون

  • أ.د. حسن عيسى الحكيم

الكلمات المفتاحية:

وحدة، المجتمع، العراقي، فكر، الإمام، كاشف، الغطاء

الملخص

يمثل الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (المتوفى عام 1373هـ/1954م) فكر المدرسة العلمية النجفية، بأبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية، على الصعيد القطري والعربي والاسلامي، في النصف الاول من القرن العشرين، وكان في نفس الوقت يعبر عن فكر آل البيت(e)، واليه استندت الامامية عقائديا وعلميا، ولا أريد في هذا البحث ابراز أثر الشيخ كاشف الغطاء على الصعيد الفقهي والأصولي والأدبي، ولإبراز موقفه من أحداث العالمين العربي والاسلامي، وانما الحديث عن دوره في الحفاظ على وحدة المجتمع العراقي، وإنهاء حالات العنف بين أطياف وشرائح هذا المجتمع، واجبار السلطة الحاكمة على الابتعاد عن حالات التعسف والظلم، والاستجابة للمطاليب العادلة لأبناء الشعب، وكان واجبه الشرعي بصفته مرجعا دينيا بارزا، الخوض في السياسة من أجل المصلحة العامة، من دون الحصول على مكسب معين، او تعضيد حزب على آخر، لذا كان تحرك الامام كاشف الغطاء يدور حول (وحدة المجتمع) وقد كانت له مواقف مشهودة وصارمة تجاه الصراع السياسي، والنزاع العشائري، والتحرك الطائفي، والتقاليد الاجتماعية البالية، وما يدور حول هذه المحاور من افرازات وخيمة على المجتمع، هو ما أشار اليه الاستاذ الدكتور زكي مبارك، اذ وصفه بأنه من أكبر أهل العلم في مدينة النجف الاشرف( ). فانه قد جمع بين الفكر الحوزوي القائم على التفسير والحديث، والفقه والأصول، والعقائد والأخلاق، والتاريخ والرجال والأدب، وعلى الفكر الاجتماعي القائم على التقاليد والاعراف والعادات المتوارثة، وان هذا الجمع المعرفي الكبير عند الامام الشيخ كاشف الغطاء، جعله يرتبط باعلام الفكر الاسلامي في عصر النهضة، فيقول الاستاذ الدكتور عبد الرزاق محيي الدين: ان الشيخ كاشف الغطاء ينزل من عصره وبيئته منزلة الشريف المرتضى في القرن الرابع الهجري في معارفه الاسلامية، ومنزلة الجاحظ وابي حيان التوحيدي في منزلته الثقافية( ). وهذه الخصائص جعلت الامام كاشف الغطاء يمتاز بعقلية كلامية كبيرة، وفن للمناظرة فريد( ). لذا التجأت اليه الأطراف المتنازعة، والتيارات المتناحرة لوضع الحلول، وانهاء حالات العنف والتشنج بين الفئات الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من حرص الامام كاشف الغطاء على الوحدة الاجتماعية، واجباره على الدخول في مشكلات المجتمع، فقد وجهت اليه انتقادات ظالمة، وحمل مسؤوليات جسيمة من جهات لم تتوضح لديهم صورة الاحداث وملابساتها، وكان الامام كاشف الغطاء، واعلام المدرسة النجفية القدامى موضع أنظار العراقيين والعرب والمسلمين، في الوقت الذي كان المجتمع فيه يتعرض لممارسات مذهبية، واستبداد سياسي في عهد الدولة العثمانية ومؤسساتها الادارية( ) وكانت الحقبة الزمنية الواقعة بين عامي 1900– 1914م قد شهدت ذورة النقمة الاجتماعية على السلطة العثمانية الحاكمة، وعلى اثرها انبثقت (الحركة الدستورية) على الساحة النجفية، وقد أيدتها شرائح من الحوزة العلمية، والمثقفين المتنورين، وان كان في الساحة تيار معارض للحركة الدستورية، ومحافظ في اتجاهاته الفكرية، ومما ساعد على بروز الوعي السياسي في مدينة النجف الاشرف. وصول الصحف المصرية والسورية اليها ومنها: المؤيد واللواء والهلال( ). وقد صاحب هذا الوعي السياسي والنضح الفكري دخول الطباعة الى مدينة النجف الاشرف عام 1908م، وصدور مجلة العلم للعلامة السيد هبة الدين الشهرستاني( ). وقد اسهم المرجع الديني الأعلى الامام الآخوند محمد كاظم الخراساني (المتوفى 1329هـ) في تأسيس المدارس الحديثة التي تجمع بين الدراسة الدينية الحوزوية، والدراسة الحديثة المعاصرة، فدخلت للمرة الأولى اللغتان الفرنسية والانكليزية في المجتمع النجفي( ). وقد عاصر الامام كاشف الغطاء هذه التيارات الفكرية والسياسية، وهو في العقد الثالث من عمره( )، إذ كانت له صلات وثيقة مع رجال العلم والفكر والسياسة في العراق والعالم الاسلامي، وقد ساعدته جرأته السياسية وشجاعته الأدبية على الوصول الى القمة بحيث تقدم على معاصريه في مدرسة النجف الأشرف، وان وضعته هذه الخصائص أمام النقد والتجريح، ولكن الامام كاشف الغطاء كان يرى مصلحة المجتمع والأمة، فوق المصالح الذاتية، وقد قادته شجاعته الى اعتلاء المنبر في الصحن الحيدري الشريف للإفصاح عن رأيه في قضية سياسية، أو معضلة اجتماعية، أو إثارة طائفية، وان من اللافت للنظر أن الامام كاشف الغطاء قد انحاز الى جانب (المستبدة) المناهضة لجماعة (المشروطة) المساندة للدستور، ومن المحتمل أنه وجد في رأي الامام سيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (المتوفى عام 1337هـ) صوابا لعلاج مشاكل الأمة، والارهاصات السياسية، ولكنه في الوقت نفسه قد استجاب لفتوى الامام السيد اليزدي في مجاهدة الانكليز الذين أنزلوا قواتهم في جنوب العراق، وأخذ يحث العشائر للانضمام إلى صفوف المجاهدين، واسناد الدولة العثمانية في هذه المرحلة الحاسمة( ). وقد انضم الشيخ كاشف الغطاء إلى قافلة المجاهدين من رجال العلم التي توجهت الى ميادين الجهاد في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1914م( ). وعلى اثر اخفاق المجاهدين والجيش العثماني النظامي في احراز النصر، عاد المجاهدون الى مدينة النجف الأشرف. وهم في حالة تذمر شديد، وغضب عارم على السلطة العثمانية، فاسقطوا الحامية العثمانية، وأسسوا حكومة أهلية عام 1915م( ). وبعد تأسيس الحكم الوطني في العراق عام 1921م. بدأت الأحزاب السياسية تموج في صراعاتها للوصول الى الحكم وكانت قضية العشائر العراقية عام 1935م في مقدمة قضايا الصراع السياسي، وقد انقسم الشعب العراقي إلى مؤيد لهذا الحزب، او معارض لآخر، ووقف الامام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بعقليته التوفيقية حائلا أمام إراقة الدماء، ولما تولى علي جودة الأيوبي رئاسة الوزارة عام 1934م. أبعد عن مجلس النواب أعضاء حزب الأخاء الوطني وأنصارهم من رؤساء العشائر( ). ولما أجريت الانتخابات النيابية الجديدة حصل علي جودة الأيوبي على نسبة عالية من أصوات النواب، مما أثار حفيظة المعارضة التي يقودها ياسين الهاشمي، رئيس حزب الأخاء الوطني( ). وعند ذلك تحركت العشائر المؤيدة لياسين الهاشمي، ضد رئيس وزراء العراق علي جودة الأيوبي، وقد ساندها عدد من المحامين والسياسيين، وكان رشيد عالي الكيلاني الى جانب المعارضة السياسية، وقد أفرزت هذه الحالة انشطارا عشائريا كبيرا، اذ انضم بعضها إلى جناح علي جودة الأيوبي، وانضم بعضها الآخر إلى جناح ياسين الهاشمي، وقد استنجدت المعارضة بالامام كاشف الغطاء في التاسع من كانون الأول 1935م، طالبة منه التدخل لحفظ الأمن والنظام، وتحقيق التقدم والرقي للشعب العراقي( ). وكان الحاج عبد الواحد الحاج سكر، والسيد محسن أبو طبيخ، والسيد علوان الياسري الى جانب المعارضة، وقد طلبوا من الامام كاشف الغطاء اسناد موقفهم، ولكن الامام كاشف الغطاء أراد انهاء الخلافات بالطرق السليمة، من دون اسناد طرف على حساب طرف آخر، فدعا الى عقد اجتماع موسع في داره في النجف الأشرف، في الحادي عشر من كانون الثاني 1935م.

التنزيلات

منشور

2009-01-01